أعلنت الولايات المتحدة عن انسحابها من عدد من المنظمات الدولية المعنية بتعزيز الأمن السيبراني، في خطوة تثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الدولي في هذا المجال الحيوي. يأتي هذا القرار ضمن مراجعة أوسع لمشاركة واشنطن في 66 منظمة عالمية.
يشمل الانسحاب الرسمي منظمات مثل “المنتدى العالمي للخبرات السيبرانية” (Global Forum on Cyber Expertise)، و”ائتلاف الحرية على الإنترنت” (Online Freedom Coalition)، و”المركز الأوروبي للتميز في مكافحة التهديدات الهجينة” (European Centre of Excellence for Countering Hybrid Threats). وتُعتبر هذه الخطوة تأكيداً لنهج الإدارة الأمريكية تجاه النظام الدولي القائم.
تداعيات الانسحاب الأمريكي من مبادرات الأمن السيبراني
أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن الأسباب وراء هذا القرار تتمثل في اعتبار هذه المؤسسات “متكررة في نطاقها، وسيئة الإدارة، وغير ضرورية، ومُهدرة، أو دخيلة على مصالح جهات تسعى لتحقيق أجندات خاصة تتعارض مع المصالح الأمريكية، أو تشكل تهديداً لسيادة البلاد وحرياتها ورخائها العام”.
وأكد مسؤولون أن استمرار إرسال أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لهذه المؤسسات دون جدوى لم يعد مقبولاً. وتم التركيز على وجود ما وصفوه بـ “مبادرات التنوع والمساواة بين الجنسين” و”حملات المساواة بين الجنسين” التي يعتقد أنها تقيد السيادة الأمريكية.
يُعنى “المنتدى العالمي للخبرات السيبرانية” بمعالجة قضايا حماية البنية التحتية الحيوية، ومكافحة الجرائم السيبرانية، وتطوير المهارات والسياسات في المجال السيبراني، بالإضافة إلى التقنيات الناشئة. وتضم قائمة أعضائه دولاً ومنظمات حكومية وشركات تقنية عالمية.
من جهة أخرى، أبدى عدد من الخبراء والمختصين قلقهم إزاء هذه التحركات. فقد عبر كريس باينتر، الرئيس السابق للمنتدى، عن “مفاجأته” بالقرار، مشيراً إلى أن هذه المنصة غير سياسية وتساهم في بناء القدرات، وقد أنجزت أعمالاً هامة في مناطق مختلفة. ووفقاً له، فإن الولايات المتحدة ساهمت في تأسيسها، وهي تخدم المصالح الأمريكية.
مخاوف من إضعاف التعاون الدولي
في المقابل، حذر رون ديبيرت، أستاذ العلوم السياسية ومدير “Citizen Lab” بجامعة تورنتو، من أن هذا الانسحاب، جنباً إلى جنب مع تخفيضات في وكالات أخرى، “سيؤدي إلى تآكل إضافي للتنسيق الأمني الشبكي في وقت تتزايد فيه التهديدات السيبرانية بسرعة”.
وأشارت نينا جانكوفيتش، المسؤولة السابقة في إدارة بايدن ورئيسة “American Sunlight Project”، إلى خروج الولايات المتحدة من “ائتلاف الحرية على الإنترنت” رغم ادعاء الإدارة بالدفاع عن حرية التعبير. ويهدف هذا الائتلاف إلى دعم “حرية التعبير، والتجمع، والخصوصية عبر الإنترنت”، كما شن حملات ضد قوانين الأمن السيبراني التي تقيد حقوق الإنسان والهجمات السيبرانية التي تعرض سلامة الأفراد للخطر.
يُذكر أن “المركز الأوروبي للتميز في مكافحة التهديدات الهجينة” يعمل على حماية أعضائه، ومن بينهم دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من مجموعة واسعة من التهديدات، منها تلك التي تتجلى في الفضاء السيبراني.
ويرى محللون أن انسحاب الولايات المتحدة من هذه المنظمات، حتى لو كانت تعاني من بعض أوجه القصور، سيضعف النظام الدولي القائم على القواعد. وقد يؤدي غياب مشاركة الدول الكبرى إلى تباطؤ عمل هذه المنتديات، ويفتح الباب أمام تزايد النزعات الإقليمية وانتشار الممارسات الفاسدة والسلطوية.
وقالت ألكسندرا جيفنز، رئيسة “مركز الديمقراطية والتكنولوجيا”، إن هذا القرار “سيضعف حتماً حقوق وأمن الأمريكيين والأشخاص حول العالم لسنوات قادمة”. وشددت على أن على الأمريكيين أن يقلقوا بشأن تخلي حكومتهم عن الجهود طويلة الأمد لتعزيز الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان على الإنترنت، خاصة في ظل الهجمات المتزايدة على حرية التعبير عالمياً. وتساهم مشاركة الولايات المتحدة في التعاون الدولي بشأن معايير حقوق الإنسان في الحفاظ على أمن مواطنيها.

